سيد قطب
698
في ظلال القرآن
الرواسي » . وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت . عن عمه عامر بن عبد اللّه بن الزبير . قال : لما نزلت « وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ » قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم » . وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد : قال : لما تلا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذه الآية : « وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . . » الآية ، أشار رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بيده إلى عبد اللّه ابن رواحة ، فقال : « لو أن اللّه كتب هذا ، لكان هذا من أولئك القليل » : وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه . . خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله . . في دقة عجيبة . . لم تدرس بعد الدراسة الواجبة . وليس هذا موضوعنا . ولكن موضوعنا أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم . ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجئ لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها . وكان اللّه - سبحانه - يعلم طبيعة هذا « الإنسان » الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين . وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية ، والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو « واقع » الإنسان ، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة « مثالية » لم تجىء لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد ، فإن مائة لا يطيقون ! هذه دعوى كاذبة أولا ؛ وخادعة ثانيا ؛ وجاهلة ثالثا . . لأنها لا تفهم « الإنسان » ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه ، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي . لأن الدين لم يجئ للقلائل الممتازين ! وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية . والبدء في الطريق . وعندئذ يكون ما يعد اللّه به العاملين : « وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً » . . فمجرد البدء ، يتبعه العون من اللّه . ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق . ويتبعه الأجر العظيم . وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم . . وصدق اللّه العظيم . . فما يخدع اللّه - سبحانه وتعالى - عباده ؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق . . « ومن أصدق من اللّه حديثا » ؟ في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص . ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة . فهذا الدين عزائم ورخص . والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة . . وبعض المخلصين حسني النية ، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين ، يعمدون إلى « الرخص » فيجمعونها ويقدمونها